كتب خالد العبود في رثاء أنيس النقاش : سأعترف لك ياصديقي !

كتب خالد العبود في رثاء أنيس النقاش : سأعترف لك ياصديقي !

توفـ.ـي أنيس النقاش المحلل سياسي ومنسّق شبكة الأمان للبحوث والدراسات الإستراتيجية . يوم الاثنين 22 فبراير (شباط) 2021 ميلاديًّا، الموافق 10 رجب 1442 هجريًّا، عن عمر ناهز 70 عامًا في مشفى هشام سنان . في العاصمة السوريّة دمشق، إثر إصـ.ـابته بمـ.ـرض فيـ.ـروس كـ.ـورونا .
وفي رثائه كتب خالد العبود على صفحته الشخصية بحسب مارصدت وكالة الميدان الاخبارية :
أخِيْ أَنِيس.

سأعترفُ لكَ، وبكثيرٍ من الصّدقِ، وكمَا كنَّا دائِما . عندَما نتَحدَّثُ وحيْديْن، نتحدَّثُ بصدْقٍ وشفَافيّةٍ مطْلقةٍ، وكنْتَ تقوْلُ، بأنَّ عالَمَ المعْرِفةِ والأفكَارِ، لا يمْكِن لهُ أنْ يكوْنَ، أوْ يقومَ، إلّا فِي مساحَةٍ كافيَةٍ منْ المصْداقيَّةِ والشَّفافيَّةِ . ولهَذَا فإنّني سوْفَ أبوحُ لكَ، كمَا كنَّا، وكَمَا تعَاهَدنَا، بكلِّ شفافيَّةٍ ومصداقيَّةٍ.

لمْ أكُنْ أعلَمُ جيِّداً . أيُّها الحبيْبُ الغَالِي، أنَّ فقْدَكَ سيكُوْنُ خطيْراً بهَذا الحجْمِ، ولمْ أكنْ أظنُّ أنَّ رحيلَكَ سيجيءُ بكلِّ هذِي الزلازِلِ . ولَمْ أكُنْ أفَكّرُ، ولوْ للَحْظةٍ واحدةٍ، أنّكَ ستمْضِي خَطْفاً . منْ غيْرِ وَصَايا أوْ ودَاعٍ، وأنَّ عذابَنَا سيكُوْنُ بِلا ضِفافٍ، بلا ضِفَاف .

أيُّها الحَبيْبُ.

حاولْتُ الكتابةَ نعْياً لكَ . فوجدْتُ في كلِّ نصٍّ أكتُبُهُ أنّني كنْتُ أنْعِي نفْسِي، وحاوَلْتُ أنْ أرتّبَ اللَّغةَ كَي تكونَ بحجْمِ رحيلِكَ، فكانَت اللُّغةُ باهتةً فقيرةً حدّ الذّهول، والمفرداتُ غيرُ قادرةٍ على أنْ تفيَكَ حقَّكَ، والأبجديَّاتُ كلُّها كانَتْ تزحفُ نحْوكَ، لتشحذَ منكَ مكانتَها وبريقَهَا وزهوَها، بدَلاً منْ أنْ تعطيَكَ حقَّكَ ومكانتَكَ وبريقَكَ وزهْوَكَ .

خالد العبود

صَـ.ـدِّقْني أيُّها الأغْـ.ـلَى، أنّني ومنْذُ أتانِي خَبَرُ رحيـ.ـلِكَ، وأنـ.ـا أُهنْـ.ـدِسُ نصّاً يليقُ ببهاءِ حضورِكَ . أو يكونُ بحجمِ نزْفي عَليْكَ، إلا أنّ كلَّ ما كتبتُهُ، نثراً وشعراً، لم أجد فيه إلّا نصوصَاً تحاول أن تتجمّلَ بكَ، وتكْبرُ عَلى أكتافِكَ، وعَلى أمجادِكَ، وعَلى حجْم حضورِكَ الطَّاغِي فيْنَا.

لا تعتَبْ عَليَّ كوْني تأخّرتُ عليْكَ في الكتابةِ، فأنا ما زلتُ مأخوذاً ومنهوباً بـ “آآآخ” ثقيلةٍ حادةٍ، أكَلتْني “كُلّي” . ونهَبتْني حدَّ القتل، لم أصحُ ولم أنْجُ منها، حتّى وأنَا أخطّ لكَ نزيفِي الآن، لهذَا أتَمَنى أنْ تعْذرَنِي عَلى ركَاكَةِ العناويْنِ ومسْتوَى المُفردَاتِ . ووعَاءِ اللُّغةِ الّذي لمْ أستَطعْ أنْ أدْلقَهُ كامِلاً بينَ يديْكَ .

أتذكّرُ جيّداً أنّكَ كنتَ تعبّرُ عن إعجابِكَ بوعاءِ مفردَاتي، وكنْتَ تتوقّفُ عندَ بعضِهَا فرِحَاً . وكنتَ تصرُّ، وتضحَكُ، وتقُولُ: كانَ عليْكَ وبدلَ دراسةِ هندسةِ الميكانيك، وعلُومِ السياسةِ، أن تدْرُسَ هندسةَ اللُّغةِ وعلُومَها، وكنْتَ تُصرُّ على التفريْقِ بينَ اللغةِ، وبينِ علُومِ اللُّغةِ.
وبالرغمِ منْ كلِّ ذلكَ، أيُّها الأنقَى والأرقَى، اعذرْنِي إذا لمْ أستطعْ أنْ أرثيَكَ بمَا يمكْنُ لهُ أنْ يعلوَ إلى بعضِ . بعضِ، ظلِّكَ العالِي، واعذرْني إذا بدوتُ أمامَكَ عاجِزاً ومقصّراً وجاهلاً وأمَّيَّاً . فقدْ بَهتَتْ كلُّ المفْردَاتِ، وتبخّرَتْ نُهورُ اللغةُ، وجفّتْ هِضَابُ علومِهَا، وتيبَّسَتْ خطوْطُ هندَسَتِها .

أسْتاذِي الكَبِير
اسمَحْ لي أنْ أعتذِرَ لكَ باسْمِ الكثيريْنَ، ممّن بكُوْكَ، وودَّعُوْكَ، ونَعَوْكَ، وَرَثوْكَ، وكتبُوا عنْكَ . أولئِكَ الذيْنَ ضَاعُوا فيكَ، وأنا منْهُم، فلمْ نستطِعْ أنْ نجْمعَ كلَّ ضفافِكَ، ولمْ نستطِعْ أنْ نقولَ عنْكَ كلَّ شيءٍ، نقولُ عنكَ . ولا أعْنِي نقولُ فيكَ، فأنتَ فعلٌ أكبَرُ منَ الكتابةِ، وأنتَ قامةُ حضوْرٍ تطْغَى عَلى كلِّ الأبجديَاتِ، وأنتَ فكرةُ المعْنَى الَّتي تحوَّلَتْ إلى مبْنَى ووُجُودٍ حقيقيٍّ وموضوعيٍّ، لكِنَّها كانَتْ سابقةً لكلِّ أدوَاتِ التَّعْبيرِ .
أيُّها النقِيُّ.
نُدرِكُ أنَّ الكتابةَ عنْكَ اختبَارٌ خطيْرٌ . فهْيَ ليْسَتْ كافيَةً، أو وافيَةً، أو حتّى شافيَةً، ونُدرِكُ أكثَرَ أنَّ مساحةَ ظلِّكَ كانَتْ أكبَرَ ممّا بَدَتْ لنَا جميْعَاً . أوْ لمَنْ عاشُوْا عصْرَكَ، فأنْتَ العميْقُ العميْقُ حدَّ الخُلُودِ، الحاضِرُ في كلِّ العصُوْرِ . وفي كلِّ العناويْنَ، وفي كلِّ المحطَّاتِ، وفي كلِّ العواصِمِ، وفي كلِّ الحسَابَاتِ، وفي كلِّ المَلفَّاتِ، نَعَمْ في كلِّ الملفَّاتِ .

نُدرِكُ أنّكَ لمْ تكنْ واحِداً، فأنـ.ـتَ بلادٌ بأسْرِهَا، وأنـ.ـتَ موْسُوعَاتٌ مِنَ اليقيْنِ، ودهْرٌ منَ الصّبرِ والصّمُودِ، وأنْتَ صندوقُنَا الأبيْضُ، يا صنْدُوْقَنَا الأبيضَ، الذي نأوِيْ إليْهِ، حيْنَ تُظلِمُ الطُّرقاتُ وتهْتزُّ بصائِرُنا .

المصدر ولاكمال المقال اضغط هنا

خالد العبود

من هو انيس النقاش :

محلل سياسي ومنسّق شبكة الأمان للبحوث والدراسات الإستراتيجية. ولد أنيس النقاش في بيروت عام 1951، التحق بصفوف حركة فتـ.ـح عام 1968 وتسلم فيها عدة مناصب. انضم إلى العمل الطلابي والعمل التنظيمي اللبناني. تولى بعض المسؤوليات الأمنية في الأرض المحـ.ـتلة ولبنان وأوروبا، وكان له دور هـ.ـام في التنسيق بين قيادة الثـ.ـورة الفلسطـ.ـينية وقيادة الثـ.ـورة الإيـ.ـرانية.

تم الاعداد والتحسين من قبل فريق وكالة الميدان الاخبارية . الخبر محمي بحقوق النشر تحت طائلة المساءلة القانونية .

للمزيد من الاخبار اضغط هنا مصادر ويكيبديا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *